صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

71

شرح أصول الكافي

ووجه ذلك : ان النفس إذا أدركتها « 1 » وأحاطت بها علما فكأنها نزلت من سماء ملكوتها ومقامها ووضعت عند نفس العالم حتى وطئتها ، وقيل : أراد بوضع الأجنحة نزولهم في مجالس العلم ؛ والوجه العقلي فيه ما ذكرناه على انا لا ننكر تصورها بصورة الطيور الباسطة أجنحتها لطالب العلم باذن اللّه ، الا ان ذلك مجرد احتمال وتجويز غير ثابت ، وما ذكرناه امر محقق . واما قوله صلى اللّه عليه وآله : وانه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر ، فالوجه العقلي فيه : ان كل نعمة من نعم اللّه التي أنعم بها على الانسان قد وجب عليه شكرها ، ولا يمكن الشكر على نعمة ما لم يعرف قدرها ، ولا يعرف قدر نعمة من النعم من لم يعلمها ولا ما يتوقف عليه من أسبابها وعللها ولا كيفية الانتفاع بها . وما من نعمة من النعم ولو شيء حقير كفتح العين أو أقل منه الا ويتوقف وجوده على وجود الأسباب التي لا يتناهى ، ومن به كفر به فكر بها جميعا ، فمن كفر بفتح العين كفر بنعمة اللّه في خلق الأجفان التي من جملتها خلق أطرافها حادة منطبقة على الحدقة ليكون كالمصقلة للمرآة ودافعا لإصابة الغبار إياها ، وقد انصقلت عن الغبارات بتطبيق أطراف الجفن عليها مرة ومرتين وخرجت الأقذار إلى زوايا العين ومنها إلى الخارج فقد كفر نعمة اللّه في خلق العين وما يتوقف عليه من الموجودات المتسلسلة عرضا إلى ما لا يقف ، وطولا إلى ما يقف عند اللّه . إذ الأجفان لا يقوم الا بالعين والعين لا يقوم الا بالرأس ولا الرأس الا بجميع البدن ، ولا البدن الا بالغذاء ولا الغذاء الا بالأرض والماء والهواء والمطر والغيم والسحاب ولا هي الا بالشمس والقمر والنجوم المسخرات بأمره ، ولا يقوم شيء منها الا بالسماوات ولا السماوات الا بالملائكة المدبرات ، ولا يقوم هذه المدبرات الا بحملة العرش وأهل الجبروت واللوح المحفوظ والقلم الاعلى . فان العالم كله كالشخص يرتبط البعض منه بالبعض ، فمن يكفر بنعمة التطريفة

--> ( 1 ) اى الملائكة التي هي الجواهر القدسية .